فخر الدين الرازي
11
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثاني : أن يقال : قدرة اللّه تعالى مستقلة بالتأثير ، وقدرة العبد غير مستقلة بالتأثير ، وإذا انضمت قدرة اللّه تعالى إلى قدرة العبد ، صارت قدرة العبد مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة . ويقال إن هذا القول هو مذهب الأستاذ « أبي إسحاق » إلا أنه يحكى عنه أنه قال « قدرة العبد تؤثر بمعنى » . والقول الثالث : إن حصول الفعل عقيب مجموع القدرة مع الداعي واجب . وذلك لأن القادر من حيث إنه قادر يمكنه الفعل بدلا عن الترك ، وبالعكس . ومع حصول هذا الاستواء ، يمتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر . فإذا انضاف إليها « 1 » حصول الداعي : حصل رجحان جانب الوجود . وعند ذلك يصير الفعل واجب الوقوع . وهذا القول هو المختار عندنا . ثم القائلون بهذا القول . إما أن يقولوا : المؤثر في دخول الفعل في الوجود : مجموع القدرة مع الداعي ، وإما أن يقولوا : ليس المؤثر في دخول الفعل في الوجود هو مجموع القدرة والداعي . وهؤلاء أيضا فريقان : فأما الذين زعموا : أن مدبر [ هذا « 2 » ] العالم موجب بالذات . قالوا : إن عند حصول القدرة مع الداعي يحصل الاستعداد التام ، لدخول ذلك الفعل في الوجود إلا أن هذه القوى الجسمانية ليست لها صلاحية الإيجاد والتأثير فعند حصول الاستعداد التام يفيض الوجود من واهب الصور ، على تلك الماهيات وتصير موجودة . فحصول القدرة والداعي يفيد الاستعداد التام . وأما الوجود والحصول ، فذاك من واهب الصور . وهذا مذهب جمهور الفلاسفة . وأما الذين زعموا : أن مدبر هذا العالم فاعل مختار . قالوا : إن مجموع
--> « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه : أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه إليه ملكا ، ويؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقى أو سعيد . ثم ينفخ فيه الروح » والحديث صريح في إثبات مذهب الجبر ، والحديث أيضا صريح في إنكار « الكسب » الذي قال به الأشعري للتوفيق بين الحنابلة وبين المعتزلة . وصريح في إنكار « صورة الفعل » عند الباقلاني وصريح في إنكار « السبب والمسبب » عند الجويني وموافق لرأي الغزالي . ( 1 ) أي القدرة . ( 2 ) سقط ( ط ، ل ) .